بائعة الورد في جولة كالتكس بالعاصمة عدن

جواد النابهي:
في زحمة الخط في جولة كالتكس وقف باص الأجرة الذي كنت أحد ركابه ، فوقعت عيناي على طفلة صغيرة – لا يكاد يتجاوز عمرها أثني عشر سنة – تتجول بين السيارات الواقفة على الخط، تحمل في يديها ورود متنوعة الألوان لأجل بيعها، فوصلت إلى أمام الباص الذي كنت راكبًا فيه بملامح يرثى لها، فدفعني الفضول إلى الحديث معها لرفع معنوياتها، فقلت في نفسي أنا لستُ من محبين الورد كثيرًا، لكني أحببت طريقة هذه الفتاة في نشر السلام والحب بين البشر، في زمن أصبحت القلوب متحجرة والمشاعر باهتة؛ فسألتها على نوع الورد ومن وين تجيبه وبصف كم بتدرس، ابتسمت الطفلة بخجلٍ، وقالت بصوت خافت: “الورد ما يغير الدنيا، بس يمكن يخلي يوم أحدهم أحسن شوي”.
كانت كلماتها بسيطة، لكنها أصابتني في عمق القلب، فسألتها إن كانت تبيع الورد فقط لتكسب المال أم لأنها تحب ما تفعله، فقالت وهي تنظر إلى باقة صغيرة في يدها: “أبي علمني أن الورد ما يعيش إلا في يد تعرف قيمته، وأنا أبيع الورد علشان أعيش، بس بعد أحب أشوف الناس تبتسم”.
صمتُّ للحظة، أراقبها وهي ترتب باقاتها الصغيرة بعناية تفوق عمرها، شعرت أن هذه الطفلة تحمل في قلبها من الحكمة ما لا تحمله كتبٍ كثيرة، مددت لها بعض النقود وقلتُ لها : “جيبي لي وردة من اختيارك، أنا ما أفهم في الألوان، بس أريد وردة تشبه قلبك”.
اختارت وردة بيضاء صغيرة، وقالت بابتسامة صافية: “هذي للسلام، فقلت في نفسي أنه مازالت توجد قلوب لسه طيبة”.
تحرك الباص ببطء بسبب الزحام الكثير لعربات النقل، والطفلة ابتعدت بين الزحام، لكني ظللتُ أحدق في تلك الوردة البيضاء طيلة الطريق حتى أن وصلت الوزارة التي كانت وحهتي، أشم رائحتها وكأنها تهمس لي: “ما زالت في هذه جمال … مهما أختنقت بالضجيج والخذلان”.
مضت الأيام، ولم تغب عن بالي تلك الطفلة الصغيرة، كلما مررت بجولة كالتكس، كنت أبحث عنها بعيني بين الوجوه، التفت يمنةً ويسرا، لعلي أراها من جديد، لم أكن أعلم لماذا، لكن شيئًا في نظرتها وابتسامتها بقي عالقًا في قلبي، كأنها زرعت في داخلي وردة لا تذبل.
وفي أحد الأيام، اضطررتُ للمرور من نفس المكان، وكان الوقت قبيل المغرب، والشمس تودع الأفق، والسماء تتلون بحمرة الشفق، لمحتها من بعيد، تجلس على الرصيف، وبجانبها سلة ورد شبه فارغة، اقتربت منها، فرفعت رأسها ونظرت إليّ، ثم ابتسمت تلك الإبتسامة التي لا تُشبه إلا الأمل.
قلتُ لها مازحًا: “واضح أنك بعتِ كل الورد، شكلكِ اليوم محظوظة! “ضحكت بخفة وقالت: “اليوم الناس كانوا طيبين، يمكن لأنه #عيد_الحب”.
جلست بجانبها وسألتها عن دراستها، فقالت إنها توقفت عنها منذُ عام، لأن والدها مريض وأمها تعمل في خياطة الملابس، لتوفير احتياج أسرتها وقيمة العلاج لوالدها، شعرتُ بثقلٍ في صدري، وحاولت إخفاء حزني بابتسامة، فقلتُ في نفسي: “إنها طفلة ذكية جدًا، وطريقتها بالكلام تقول إنها ما زلت تتعلم من الحياة أكثر مما يتعلمه غيرها في المدارس”.
نظرت إليّ بعينين واسعتين دون أن تتكلم، لكن تعابير وجهها ونبرات صوتها يقول لي أنها تريد أن تقول لي: “أن الحياة هي المدرسة، والشارع هو الصف، والورد هو الدرس”.
نبرات صوتها وكلماتها المخفية اخترقتني كالسهم، مددت لها مبلغًا أكبر من ثمن الورد وقلتُ: “اعتبريها هدية، علشان ترجعي تدرسي، يمكن تصيري يومًا ما معلمة وتزرعي الورد في قلوب الأطفال”.
هزت رأسها بثقة طفولية، وكأنها تقول لي بس قبل أن أزرع فيهم، لازم أتعلم كيف أزرع في نفسي الأمل أول”.
رحلت بعدها وسط الزحام، وكنتُ أراها تختفي شيئًا فشيئًا بين السيارات، تحمل سلتها وكأنها تحمل العالم كله فوق كتفيها الصغيرين.
ومنذ ذلك اليوم، كلما شممت رائحة الورد، تذكرتُ أن الجمال لا يحتاج قصورًا، بل قلبًا بسيطًا يعرف كيف يصنع الفرح من لا شيء.




